فصل: تفسير الآية رقم (7):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (نسخة منقحة)



.تفسير الآية رقم (7):

{وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مَكْتُوبًا فِي قِرْطَاسٍ، أَيْ صَحِيفَةٍ، إِجَابَةً لِمَا اقْتَرَحُوهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ} الْآيَةَ [17/ 93]، فَعَايَنُوا ذَلِكَ الْكِتَابَ الْمُنَزَّلَ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِيهِمْ، لَعَانَدُوا، وَادَّعَوْا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَحَرَهُمْ، وَهَذَا الْعِنَادُ وَاللَّجَاجُ الْعَظِيمُ وَالْمُكَابِرَةُ الَّذِي هُوَ شَأْنُ الْكُفَّارِ بَيَّنَهُ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ:
{وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ} [15/ 14، 15].
وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ} [52/ 44]، وَقَوْلِهِ: {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [6/ 111]، وَقَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ} الْآيَةَ [10/ 96، 97]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ} [10/ 101]، وَقَوْلِهِ: {وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا} [7/ 146]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَذَكَرَ تَعَالَى نَحْوَ هَذَا الْعِنَادِ وَاللَّجَاجِ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} [7/ 132].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلُ عَلَيْهِ مَلَكٌ} لَمْ يُبَيِّنْ هُنَا مَاذَا يُرِيدُونَ بِإِنْزَالِ الْمَلَكِ الْمُقْتَرَحِ، وَلَكِنَّهُ بَيِّنٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِإِنْزَالِ الْمَلَكِ أَنْ يَكُونَ نَذِيرًا آخَرَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} الْآيَةَ [25/ 7].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ} يَعْنِي: أَنَّهُ لَوْ نَزَّلَ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَهُمْ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي، لَجَاءَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابُ، مِنْ غَيْرِ إِمْهَالٍ وَلَا إِنْظَارٍ، لِأَنَّهُ حَكَمَ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ إِلَّا بِذَلِكَ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ} [15/ 8]، وَقَوْلِهِ: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ} الْآيَةَ [25/ 22].

.تفسير الآية رقم (9):

{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (9)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ} أَيْ: لَوْ بَعَثْنَا إِلَى الْبَشَرِ رَسُولًا مَلَكِيًّا، لَكَانَ عَلَى هَيْئَةِ الرَّجُلِ؛ لِتُمْكِنَهُمْ مُخَاطَبَتُهُ، وَالِانْتِفَاعُ بِالْأَخْذِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ النَّظَرَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ مِنْ شِدَّةِ النُّورِ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَالْتَبَسَ عَلَيْهِمُ الْأَمْرُ كَمَا هُمْ يَلْبِسُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فِي قَبُولِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ الْبَشَرِيِّ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّسُولَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ الْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ، كَمَا أَشَارَ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِهِ: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} [17/ 95].
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُمْ حَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هُنَا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَلَا كَيْفِيَّةَ الْعَذَابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، فِي ذِكْرِ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، وَهُودٍ وَقَوْمِهِ، وَصَالِحٍ وَقَوْمِهِ، وَلُوطٍ وَقَوْمِهِ، وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
فَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهُمْ لَهُ: «بَعْدَ أَنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجَّارًا»، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: {إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ} [11/ 38]، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: {فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ} [49/ 14]، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِهُودٍ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} [11/ 54]، وَقَوْلِهِ عَنْهُمْ أَيْضًا: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ} الْآيَةَ [11/ 53]، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ: {أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} الْآيَةَ [51/ 41]، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِصَالِحٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: {يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [7/ 77]، وَقَوْلُهُمْ: {يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} الْآيَةَ [11/ 62]، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [11/ 94]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ} الْآيَةَ [27/ 56]، وَقَوْلُهُمْ لَهُ أَيْضًا: {لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ} [26/ 167]، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: {فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [15/ 74]، وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.
وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ: {قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [11/ 91]، وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ: {فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [26/ 189] وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.

.تفسير الآية رقم (14):

{قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ} يَعْنِي: أَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يَرْزُقُ الْخَلَائِقَ، وَهُوَ الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ فَلَيْسَ بِمُحْتَاجٍ إِلَى رِزْقٍ، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى هَذَا بِقَوْلِهِ:
{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [51/ 56، 57، 58]، وَقِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَيْنِ مِنَ الْإِطْعَامِ، وَالْأَوَّلُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ، وَالثَّانِي مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ، وَأَوْضَحَتْهُ الْآيَةُ الْأُخْرَى، وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْأَعْمَشُ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، وَالثَّانِي بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْعَيْنِ، مُضَارِعُ طَعِمَ الثُّلَاثِيِّ بِكَسْرِ الْعَيْنِ فِي الْمَاضِي، أَيْ أَنَّهُ يَرْزُقُ عِبَادَهُ وَيُطْعِمُهُمْ، وَهُوَ جَلَّ وَعَلَا لَا يَأْكُلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمَخْلُوقُ مِنَ الْغَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ وَعَلَا الْغَنِيُّ لِذَاتِهِ، الْغَنِيُّ الْمُطْلَقُ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عُلُوًّا كَبِيرًا، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [35/ 15].
وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي ذَكَرْنَا عَنْ سَعِيدٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالْأَعْمَشِ مُوَافِقَةٌ لِأَحَدِ الْأَقْوَالِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {اللَّهُ الصَّمَدُ} [112/ 2]، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الصَّمَدُ السَّيِّدُ، الَّذِي يُلْجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْحَوَائِجِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي تَكَامَلَ سُؤْدُدُهُ، وَشَرَفُهُ، وَعَظَمَتُهُ، وَعِلْمُهُ، وَحِكْمَتُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ؛ وَعَلَيْهِ، فَمَا بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ خَلْقِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الصَّمَدُ هُوَ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ، وَهُوَ مَحِلُّ الشَّاهِدِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، وَعِكْرِمَةُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ، وَالضَّحَّاكُ، وَالسُّدِّيُّ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ وَغَيْرُهُمَا.
قَالَ مُقَيِّدُهُ- عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: مِنَ الْمَعْرُوفِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِطْلَاقُ الصَّمَدِ عَلَى السَّيِّدِ الْعَظِيمِ، وَعَلَى الشَّيْءِ الْمُصْمَتِ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ، فَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْلُ الزِّبْرِقَانِ: [الْبَسِيطُ]:
سِيرُوا جَمِيعًا بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَاعْتَمِدُوا ** وَلَا رَهِينَةَ إِلَّا سَيِّدٌ صَمَدُ

وَقَوْلُ الْآخَرِ: [الْبَسِيطُ]:
عَلَوْتُهُ بِحُسَامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ ** خُذْهَا حُذَيْفُ فَأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ

وَقَوْلُ الْآخَرِ: [الطَّوِيلُ]:
أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدِ ** بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدِ

وَمِنَ الثَّانِي قَوْلُ الشَّاعِرِ: [الطَّوِيلُ]:
شِهَابُ حُرُوبٍ لَا تَزَالُ جِيَادُهُ ** عَوَابِسَ يَعْلِكْنَ الشَّكِيمَ الْمُصَمَّدَا

فَإِذَا عَلِمْتَ ذَلِكَ، فَاللَّهُ تَعَالَى هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي هُوَ وَحْدَهُ الْمَلْجَأُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْحَاجَاتِ، وَهُوَ الَّذِي تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ وَتَعَالَى عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ، كَأَكْلِ الطَّعَامِ وَنَحْوِهِ، سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ} الْآيَةَ، يَعْنِي أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أُرْسِلْتُ إِلَيْهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ، كَمَا بَيَّنَهُ تَعَالَى بِآيَاتٍ كَثِيرَةٍ تَدُلُّ عَلَى وُجُودِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ وُجُودِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوُجُودِ أُمَّتِهِ، كَقَوْلِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [2/ 131]، وَقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [12/ 101]، وَقَوْلِهِ: {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا} [5/ 44]، وَقَوْلِهِ عَنْ لُوطٍ وَأَهْلِهِ: {فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [51/ 36]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أَشَارَ تَعَالَى بِقَوْلِهِ هُنَا: {فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [6/ 17]، بَعْدَ قَوْلِهِ: وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ، إِلَى أَنَّ فَضْلَهُ وَعَطَاءَهُ الْجَزِيلَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى رَدِّهِ، عَمَّنْ أَرَادَهُ لَهُ تَعَالَى، كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ} الْآيَةَ [10/ 107].

.تفسير الآية رقم (19):

{قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} صَرَّحَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذِرٌ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَيُفْهَمُ مِنَ الْآيَةِ أَنَّ الْإِنْذَارَ بِهِ عَامٌّ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ، وَأَنَّ كُلَّ مَنْ بَلَغَهُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ.
أَمَّا عُمُومُ إِنْذَارِهِ لِكُلِّ مَنْ بَلَغَهُ، فَقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَاتٌ أُخَرُ أَيْضًا كَقَوْلِهِ: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [7/ 158]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ} [34/ 28]، وَقَوْلِهِ: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا} [25/ 1].
وَأَمَّا دُخُولُ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِ النَّارَ، فَقَدْ صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [11/ 17].
وَأَمَّا مِنْ لَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَهُ حُكْمُ أَهْلِ الْفَتْرَةِ الَّذِينَ لَمْ يَأْتِهِمْ رَسُولٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

.تفسير الآية رقم (28):

{بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ- جَلَّ وَعَلَا- الَّذِي أَحَاطَ عِلْمُهُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَمَعْدُومٍ، يَعْلَمُ الْمَعْدُومَ الَّذِي سَبَقَ فِي الْأَزَلِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَوْ وُجِدَ كَيْفَ يَكُونُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَدَّ الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الدُّنْيَا مَرَّةً أُخْرَى لَا يَكُونُ، وَيَعْلَمُ هَذَا الرَّدَّ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ بِقَوْلِهِ: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [6/ 28]، وَهَذَا الْمَعْنَى جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي آيَاتٍ أُخَرَ.
فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى سَبَقَ فِي عِلْمِهِ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، لَا يَخْرُجُونَ إِلَيْهَا مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهُ ثَبَّطَهُمْ عَنْهَا لِحِكْمَةٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} الْآيَةَ [9/ 46]، وَهُوَ يَعْلَمُ هَذَا الْخُرُوجَ الَّذِي لَا يَكُونُ لَوْ وَقَعَ كَيْفَ يَكُونُ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ: {لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا} الْآيَةَ [9/ 47]، وَمِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [23/ 75]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ} الْآيَةَ، صَرَّحَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: بِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْزُنُهُ مَا يَقُولُهُ الْكُفَّارُ مِنْ تَكْذِيبِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ نَهَاهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا الْحُزْنِ الْمُفْرِطِ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ، كَقَوْلِهِ: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} الْآيَةَ [35/ 8]، وَقَوْلِهِ: {فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [5/ 68]، وَقَوْلِهِ: {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا} [18/ 6]، وَقَوْلِهِ: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} [26/ 3]، وَالْبَاخِعُ: هُوَ الْمُهْلِكُ نَفْسَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ غَيْلَانَ بْنِ عُقْبَةَ: [الطَّوِيلُ]:
أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ ** لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ

وَقَوْلُهُ: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ} فِي الْآيَتَيْنِ يُرَادُ بِهِ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ، وَنَظِيرُهُ: {فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ} [11/ 12]، أَيْ لَا تُهْلِكْ نَفْسَكَ حَزَنًا عَلَيْهِمْ فِي الْأَوَّلِ، وَلَا تَتْرُكْ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ فِي الثَّانِي.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ} الْآيَةَ.
قَالَ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: الْمُرَادُ بِالْمَوْتَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الْكُفَّارُ، وَتَدُلُّ لِذَلِكَ آيَاتٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} الْآيَةَ [6/ 122]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ} [35/ 22]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [35/ 22]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنَّ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى تَنْزِيلِ الْآيَةِ الَّتِي اقْتَرَحَهَا الْكُفَّارُ عَلَى رَسُولِهِ، وَأَشَارَ لِحِكْمَةِ عَدَمِ إِنْزَالِهَا بِقَوْلِهِ: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [6/ 37]، وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ حِكْمَةَ عَدَمِ إِنْزَالِهَا: أَنَّهَا لَوْ أُنْزِلَتْ وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِهَا لَنَزَلَ بِهِمُ الْعَذَابُ الْعَاجِلُ، كَمَا وَقَعَ بِقَوْمِ صَالِحٍ لَمَّا اقْتَرَحُوا عَلَيْهِ إِخْرَاجَ نَاقَةٍ عُشَرَاءَ، وَبْرَاءَ، جَوْفَاءَ، مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ، فَأَخْرَجَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنْهَا بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، فَعَقَرُوهَا: {وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا} [7/ 77]، فَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِعَذَابِ اسْتِئْصَالٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [17/ 59]، وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُ لَا دَاعِيَ إِلَى مَا اقْتَرَحُوا مِنَ الْآيَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً أَعْظَمَ مِنْ جَمِيعِ الْآيَاتِ الَّتِي اقْتَرَحُوهَا وَغَيْرِهَا، وَتِلْكَ الْآيَةُ هِيَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ؛ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [29/ 51]، فَإِنْكَارُهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَيْهِمْ عَدَمَ الِاكْتِفَاءِ بِهَذَا الْكِتَابِ عَنِ الْآيَاتِ الْمُقْتَرَحَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَفْخَمُ مِنْ كُلِّ آيَةٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ آيَةٌ وَاضِحَةٌ، وَمُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ، أَعْجَزَتْ جَمِيعَ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ تَتَرَدَّدُ فِي آذَانِ الْخَلْقِ غَضَّةً طَرِيَّةً حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ مُعْجِزَاتِ الرُّسُلِ- صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ- فَإِنَّهَا كُلَّهَا مَضَتْ وَانْقَضَتْ.

.تفسير الآيات (40-41):

{قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (40) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ} الْآيَةَ، ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ إِذَا أَتَاهُمْ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ أَتَتْهُمُ السَّاعَةُ أَخْلَصُوا الدُّعَاءَ الَّذِي هُوَ مُخُّ الْعِبَادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَنَسُوا مَا كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ؛ لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُ لَا يَكْشِفُ الْكُرُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ جَلَّ وَعَلَا.
وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا نَوْعَ الْعَذَابِ الدُّنْيَوِيِّ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ هُنَا أَيْضًا إِذَا كَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ هَلْ يَسْتَمِرُّونَ عَلَى إِخْلَاصِهِمْ، أَوْ يَرْجِعُونَ إِلَى كَفْرِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ كُلَّ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ.
فَبَيَّنَ أَنَّ الْعَذَابَ الدُّنْيَوِيَّ الَّذِي يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْإِخْلَاصِ، هُوَ نُزُولُ الْكُرُوبِ الَّتِي يَخَافُ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ الْهَلَاكَ، كَأَنْ يَهِيجَ الْبَحْرُ عَلَيْهِمْ وَتَلْتَطِمَ أَمْوَاجُهُ، وَيَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ أَنَّهُمْ سَيَغْرَقُونَ فِيهِ إِنْ لَمْ يُخْلِصُوا الدُّعَاءَ لِلَّهِ وَحْدَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} الْآيَةَ [10/ 22، 23]، وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ} [17/ 67]، وَقَوْلِهِ: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [29/ 65]، وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [31/ 32]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبَيَّنَ أَنَّهُمْ إِذَا كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْكَرْبَ، رَجَعُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، كَقَوْلِهِ: فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا، وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ، وَقَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ} [6/ 64]، وَقَوْلِهِ: فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ رُجُوعَهُمْ لِلشِّرْكِ، بَعْدَ أَنْ نَجَّاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْغَرَقِ، مِنْ شِدَّةِ جَهْلِهِمْ وَعَمَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُهْلِكَهُمْ فِي الْبَرِّ، كَقُدْرَتِهِ عَلَى إِهْلَاكِهِمْ فِي الْبَحْرِ، وَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعِيدَهُمْ فِي الْبَحْرِ مَرَّةً أُخْرَى، وَيُهْلِكَهُمْ فِيهِ بِالْغَرَقِ، فَجُرْأَتُهُمْ عَلَيْهِ إِذَا وَصَلُوا الْبَرَّ لَا وَجْهَ لَهَا؛ لِأَنَّهَا مِنْ جَهْلِهِمْ وَضَلَالِهِمْ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا} [17/ 68، 69].

.تفسير الآية رقم (52):

{وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} نَهَى اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ طَرْدِ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفُقَرَائِهِمُ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، وَأَمَرَهُ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَهُمْ، وَأَنْ لَا تَعْدُوَ عَيْنَاهُ عَنْهُمْ إِلَى أَهْلِ الْجَاهِ وَالْمَنْزِلَةِ فِي الدُّنْيَا، وَنَهَاهُ عَنْ إِطَاعَةِ الْكَفَرَةِ فِي ذَلِكَ وَهِيَ قَوْلُهُ:
{وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [18/ 28]، كَمَا أَمَرَهُ هُنَا بِالسَّلَامِ عَلَيْهِمْ، وَبِشَارَتِهِمْ بِرَحْمَةِ رَبِّهِمْ جَلَّ وَعَلَا فِي قَوْلِهِ:
{وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} الْآيَةَ [6/ 54]، وَبَيَّنَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ أَنَّ طَرْدَ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِي طَلَبَهُ كُفَّارُ الْعَرَبِ مِنْ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ، طَلَبَهُ أَيْضًا قَوْمُ نُوحٍ مِنْ نُوحٍ، فَأَبَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُ: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا} الْآيَةَ [11/ 29]، وَقَوْلِهِ: {وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ} الْآيَةَ [11/ 30]، وَقَوْلِهِ: {وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ} [26/ 114]، وَهَذَا مِنْ تَشَابُهِ قُلُوبِ الْكُفَّارِ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} الْآيَةَ [2/ 118].

.تفسير الآية رقم (53):

{وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)}:
قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ} أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْحِكْمَةَ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ ضُعَفَاءُ النَّاسِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَأَلَ هِرَقْلُ مِلْكُ الرُّومِ أَبَا سُفْيَانَ عَنْ نَبِيِّنَا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ، أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقَالَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، قَالَ: هُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ».
فَإِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى أَشَارَ إِلَى أَنَّ مِنْ حِكْمَةِ ذَلِكَ فِتْنَةَ بَعْضِ النَّاسِ بِبَعْضٍ، فَإِنَّ أَهْلَ الْمَكَانَةِ وَالشَّرَفِ وَالْجَاهِ يَقُولُونَ: لَوْ كَانَ فِي هَذَا الدِّينِ خَيْرٌ لَمَا سَبَقَنَا إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ؛ لِأَنَّا أَحَقُّ مِنْهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ كَمَا قَالَ هُنَا: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا} الْآيَةَ [6/ 53]، إِنْكَارًا مِنْهُمْ أَنْ يُمُنَّ اللَّهُ عَلَى هَؤُلَاءِ الضُّعَفَاءِ دُونَهُمْ، زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْخَيْرِ مِنْهُمْ، وَقَدْ رَدَّ اللَّهُ قَوْلَهُمْ هُنَا بِقَوْلِهِ: أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ.
وَقَدْ أَوْضَحَ هَذَا الْمَعْنَى فِي آيَاتٍ أُخَرَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} الْآيَةَ [46/ 11]، وَقَوْلِهِ: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا} [19/ 73].
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا أَنْفُسَهُمْ أَحْسَنَ مَنَازِلَ وَمَتَاعًا مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ أَوْلَى مِنْهُمْ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنَّ اتِّبَاعَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُوهُمْ إِلَيْهِ، وَرَدَّ اللَّهُ افْتِرَاءَهُمْ هَذَا بِقَوْلِهِ: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا} [19/ 74]، وَقَوْلِهِ: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ} [23/ 55، 56]، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ} الْآيَةَ، أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنْ يُخْبِرَ الْكُفَّارَ، أَنَّ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ عَلَيْهِمُ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ عِنْدَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَجَّلَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَّرَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يُخْبِرَهُمْ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ لِعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: {قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} الْآيَةَ [6/ 58].
وَبَيَّنَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ أَنَّهُمْ مَا حَمَلَهُمْ عَلَى اسْتِعْجَالِ الْعَذَابِ إِلَّا الْكُفْرُ وَالتَّكْذِيبُ، وَأَنَّهُمْ إِنْ عَايَنُوا ذَلِكَ الْعَذَابَ عَلِمُوا أَنَّهُ عَظِيمٌ هَائِلٌ، لَا يَسْتَعْجِلُ بِهِ إِلَّا جَاهِلٌ مِثْلُهُمْ، كَقَوْلِهِ: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [11/ 8]، وَقَوْلِهِ: {يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا} الْآيَةَ [42/ 54]، وَقَوْلِهِ: {يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [29/ 54]، وَقَوْلِهِ: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ} [10/ 50].
وَبَيَّنَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ حَدَّدَ لَهُمْ أَجَلًا لَا يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ قَبْلَهُ لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ} الْآيَةَ [29/ 53].
تَنْبِيهٌ:
قَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ الْآيَةَ، صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ بِيَدِهِ تَعْجِيلُ الْعَذَابِ عَلَيْهِمْ لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، مَعَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ، وَقَالَ لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَطْبَقْتُ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ، وَهُمَا جَبَلَا مَكَّةَ اللَّذَانِ يَكْتَنِفَانِهَا، فَقَالَ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرَجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا».
وَالظَّاهِرُ فِي الْجَوَابِ: هُوَ مَا أَجَابَ بِهِ ابْنُ كَثِيرٍ- رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ،
وَهُوَ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ إِلَيْهِ وُقُوعُ الْعَذَابِ الَّذِي يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَهُ فِي وَقْتِ طَلَبِهِمْ، لَعَجَّلَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ طَلَبُوا تَعْجِيلَ الْعَذَابِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، بَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ الْمَلَكُ إِهْلَاكَهُمْ فَاخْتَارَ عَدَمَ إِهْلَاكِهِمْ، وَلَا يَخْفَى الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُتَعَنِّتِ الطَّالِبِ تَعْجِيلَ الْعَذَابِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ.